حيدر حب الله
57
شمول الشريعة
ذلك عن موقف ، إذ هي أمامه إما واجدة لملاك الوجوب أو ملاك الحرمة أو غير ذلك ، وهذا ما ينتج تلقائيّاً الأحكام الخمسة ، وحيث إنّ الشمول التشريعي ليس إلا أن يكون للمولى سبحانه موقفٌ من الوقائع ، فهذا يكشف أنّ الشمول العلمي عنده يستدعي تلقائيّاً موقفاً شاملًا من الوقائع كلّها ، الأمر الذي يفترض قانون الشمول التشريعي « 1 » . وهذا الدليل رغم وجاهته ، بيد أنه يُغفل أمراً بالغ الأهميّة ، وهو أنّنا لا نبحث في واقع صفة الفعل الخارجيّ من حيث كونه راجحاً أو مرجوحاً أو غير ذلك ( على كلام سيأتي في الدليل القادم ) ، ولا في علم الله تعالى بالرجحان هذا أو المرجوحيّة ، وإنّما في جعل الشارع سبحانه - بعد هذا العلم - تشريعاً يتعلّق بعهدة المكلّفين ، فليست مرحلة الثبوت ، بمعنى الملاك ، كافيةً هنا ، دون أن يجعل الشارع حكماً نتيجتها ، فمصبّ التنازع إنّما هو في وجود حكمٍ مجعول من قبل المولى ، لا في علمه وحبّه فحسب . ولتقريب الفكرة ، نأخذ الأحكام العقليّة العملية ، حيث وقع خلاف بين علماء أصول الفقه الإسلامي في أنّه بعد حكم العقل بحُسن العدل ، هل يجب أن يحكم المولى سبحانه بوجوب العدل أو لا ؟ فذهب بعضهم إلى عدم الوجوب ، بل إلى عدم وجود داعٍ ومبرّر لهذا الحكم الشرعي بعد محرّكيّة العقل نفسه ، فيما ذهب آخرون إلى خلاف ذلك « 2 » ، وهذا معناه أنّ العبرة ليست في حُسن الشيء في ذاته بقدر ما هي في صدور حكم شرعي متعلّق به بعد كونه حسناً أو قبيحاً . ومن ثمّ فمن الممكن أن يرى الله الفعل حسناً ، لكنّه لا يُشرّع فيه حكماً ، بل يترك للبشر أن يُحاولوا اكتشاف هذا الحسن وهذا الرجحان في هذا الفعل ، والانقياد لعقولهم فيه ؛ لمصلحة يراها هو نفسه في ذلك . ومن هنا ، يتضح لنا عدم سلامة المقاربة التي ذكرها بعض المعاصرين ؛ فإنّ علم الله بالوقائع لا يساوي موقفاً منها ؛ لأنّ الموقف الذي نبحث عنه هو ممارسة تشريع موجّه للبشر وداخل في عهدتهم ، ولعلّ الله حصل له علمٌ بهذه الأفعال وحالاتها ، لكنّه رأى مصلحةً أهم في أن يترك بيان علمه المتضمّن لموقفه هذا ؛ دفعاً للبشر نحو ممارسة ذلك في أنفسهم ؛ لكي يكون ذلك أحد عناصر تكاملهم الرئيسة ، فمن أين لنا نفي هذه الفرضيّة ؟
--> ( 1 ) انظر : المنصوري ، نظريّة التزاحم الحفظي : 77 - 79 . ( 2 ) انظر - لمزيد من الاطّلاع - الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، القسم الأوّل : 429 .